يُرهقني هذا الثبات القاسيّ الذي أرتديه كل يوم كقناعٍ مُحكم، حتى أنني حين أختلس النظر إلى وجهي في المرآة، أستكثرُ على نفسي لحظة ضعفٍ عارية لا يراها أحدٌ سوى انعكاسي الذي يُحدّق فيّ. كم يحب المرء أن يبدو كاملاً في عينِ نفسه وغيره، رُغم أن الكمال يتنافى مع حقيقة كونه إنساناً.
لكنني أنا، وفي نهاية هذا اليوم الشاق، لست سوى روحٍ بسيطة، تتوق إلى ذات الأشياء التي يتوق إليها الآخرون.
تنتابني نوباتُ حزنٍ خاطفة، أضجر من الأيام البليدة التي لا تحمل جديداً لي، أشتاق إلى لحظةٍ حقيقية تهز كياني من جذوره، وتعيد إليَّ روحاً مرحة كنت قد ألفتُها.
أريد أن أتعلم كيف أعيش بلا خوفٍ من الفقد، أن أعيش كما النهر، لا يتوقف أمام الحصى، بل يمضي في كل اتجاهٍ تتفرع فيه السبل بكل عنفوانه. أريد أن أختار، دونَ أن أُرعب نفسي بخسارتهِ المُحتملة، أن أقول حين تخور قواي أنني تعبت، دون أن يُؤخذ ذلك عليّ.
أريد أن يحتضِنُ شخصٌ ما فوضاي ويُحاولَ ترتيبها معي، أن يكون ضعفي شيئاً يُحبه، لا عيباً يتحاشى النظر إليه.
أريد أن أذوب في إنسانيتي حتى آخر خلية، بلا خجلٍ ولا قناع.
لكنني ومع ذلك، تأتيني أيامٌ أحتاج فيها ألا أكون إنسانةً أصلاً؛ أود فيها أن أختفي عن العالم، أو أتوقف عن الإحساس به.
أن أرفع يديَّ الى السماء، وأتمنى لو يتجمد الكون، لو يتوقف الناس ، والأحداث، أسبوعاً واحداً فحسب، حتى أتنفس بين الفراغ، وأرتب نفسي، قبل أن يعود هذا السيرُ الأزلي.
لكن شيئاً من هذا لا يحدُث. لايوجد مكانٌ على وجهِ الأرض يمكنني أن أختبئ فيه لأكون إنسانة حقيقية، بكل ما أحمِلهُ من مشاعرٍ وأحاسيس، وأن أتعلم كيف أحتويني.
لكنك في النهاية ، يجب عليكَ أن تكون ماخُلقت لأجلِه، بشراً، لا آلةً ولا حجراً، أن تضجّ فيك الحياة بكل هذا الاضطراب هو خلقُك، حقيقتُك، طبيعتُك،
هو أمر عظيم، لكنه يأتي بكل علّاته وفوضاه،ولا خيار لنا إلا أن نحيا به، ونتعايشَ معه.